النشرة البريدية
بريدك الإلكتروني:
الطقس في الوادي
المتواجدون الآن: 4
زوار: 4
أعضاء: 0
الرئيسية | قطوف | قراءة في قصيدة : حدثني للشاعر أحمد مكاوي

قراءة في قصيدة : حدثني للشاعر أحمد مكاوي

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

النص:  حـدثـِْـني

 

أسكنُ في صمت الحلم

 أمدُ نجوم حنيني جسرا

تعبره الأيام

وأنا في يتمي ما بين الحرف

وبين السيف

أبث ورودي عطرا في ليلٍ

ذئْبي الأنسام

خذْ كل رؤاي واسكنْ

 في صمت الحلم وحدثني

هل كان الحلم سوى أغنية تشدوني

معنى ما غابت عن عينيه خطاي ولا

وارت أشواقي في برديه الأحزان؟!

خذْ كل رؤاي واسكنْ

 في صمت الحلم وحدثني

أيامي غابت عنها الأيامْ

وحنيني حن لخطو الشوق بعينيها

وتواله في ركب الأوهام

والعشق زهور تطويها بين ضلوعي

في الصمت الآلام

وأنا خلف الآلام بآلامي

أمتد ربيعا مذبوحا في شرنقة الريح بدن العمر المغموس

بخمر الآه و تعتة تمضي في صدري

في القلب تنام

خذْ كل رؤاي واسكنْ

 في صمت الحلم وحدثني

يا أنت

يا حبا قد كان

لؤلؤة لا تحويها الأزمان

من نبعك تمضي ومحار الروح يودعها

تغسلها بالدمع الأشجان

يا أنت

ما زال غريبا قلبي

في الليل يجدف

يبحث عن شطآن

والحب حبيبي قد كان

في صمت الحلم عروسا من شرفة قصر ينداح شذاها

فتميل تميل على شرفتها الألحان

ها إني أمد عيوني

والصوت ينادي:

اصعد

هذي يدي

تمسك

اصعد

ويذوب الحرف بعينيْ

ينداح الصمت على قلبي

وأموت هوان!!

خذْ كل رؤاي واسكنْ

 في صمت الحلم وحدثني

يا أنت

يا الحامل زهر الدمع بعين العشاق

وخمر الوصل بكأس المشتاق

ها إني

مشتاق .. مشتاق .. مشتاقْ

يجرحني الحرف فضمده فؤادا

ما عرف الوصل ولا ذاق حلاوة لقيا الأحباب

وها إني

اسكنْ في صمت الحلم فحدثني

كي أعبر جسر حنيني

وأراك هناكْ

تمسح عن رؤياي الصمت

وتهدم سكناي

وتطوي عن عمري الحلم

فحدثْـني

إن كان هناك حديث

ينزع روح الآه من الأعماق!!

 

 

القراءة :

     حدثني عنوان قصيدة للشاعر الجزائري أحمد مكاوي أودع في عنوانه هذا كثير من همومه واختلاجات نفسه ، فالعنوان هنا فعل ، فعل أمر موجه إلى المفرد ليعود مرة أخرى للمفرد ، هذا الإفراد والانفراد يشعرنا بوحدة الشاعر وغربته ، فهو وحيد لا يعي بوجود الآخرين ، ما زال فقط يأمل .. ربما يجد إنسانا يحادثه لينتشله مما هو فيه من هموم ، أغلب الظن أنه لم يوقع فيها نفسه ، لكنه تضافرت عوامل وظروف تشابكت كخيوط العنكبوت لتطمر الشاعر في قرارة نفسه مغتربا يلتمس من يكسر عنه قمقم الصمت ، ويقتحم عليه باب غربته فقال : حدثني ، الحديث الذي يجر الذاكرة للخلف ، لعلها تستطيع أن تستلقي وتسترخي في أحضان هذا الماضي المفقود الذي يدعونا دائما لنعود إليه ، لأنه ليس في الحاضر ما يغري ، ولا في المستقبل أي نقطة ضوء ، وهكذا في نهاية المشهد يمثل أمامنا شخصان : شاعر يعيش غربة موحشة في هذا الزمن الموبوء ، وشيخ حاذق في الرواية والتاريخ .

     وحين نلج جسم القصيدة نجد الشاعر يعيد هذا المقطع ثلاث مرات وهو قوله :

خذ كل رؤاي

واسكن في صمت الحلم وحدثني

 

      حيث الإلحاح واستجداء المحدث ، بل تجاوز ذلك إلى الإغراء : خذ ، واسكن ، وكأن الشاعر أثقلت كاهله هذي الرؤى التي ضاق بها ولم يعد بإمكانه التعايش معها كحلم يراه لكن لا يعيشه ، ولا يلمسه ، رؤى تقلق الشاعر وتقض مضجعه ، لا يستطيع أن ينساها ، ولا يستطيع أن يعيشها ، فهو يريد أن يلقي بها كقطعة جمر في كفه ولتقع في أي مكان ، وليصرف فيها هذا المحدث ، المهم أن ينقذه منها لعله يستطيع تعديلها أو تحقيق بعضها ، فالشاعر يعلن عجزه وإفلاسه تجاهها ، كما يدعوه إلى الاقتراب منه أكثر واقتحام حياته ، بل الاستيطان في هذا الحلم الخرب ، هذا الوطن اليباب الذي يثقله الصمت ، يلف جوانحه ،حلم صامت كالقبر ، بارد كالموت ، الحلم الذي يعيش الشاعر وحيدا في صقيعه وصمته ، فليأخذ هذه الأعباء وليحدثه حديثا قد يسليه ويمتعه ، ويخرجه من شرنقة الاغتراب التي أضحت تلف حياته .

       وهكذا يتجلى الشاعر ممتدا على زمنين متناقضين : زمن يحاصره الصمت في أيامه التي غابت عنها الأيام وأسقطت حسابات الزمن ، الزمن الذي يتنفس أنساما مشبعة برائحة الذئاب ، زمن تمترس فيه الشاعر خلف آلامه لينجو من الآلام ، ويرنو إلى زمن لا يأتي يمسح فيه عن رؤياه الصمت فتبعث من رمادها ، تلبس روحها ، وتصير جثة تسعى .

      وإن احتفظت القصيدة بكثير من مفاتيحها ، وأوصدت أبواب كنوزها ، فإنها باحت لنا بمبدأ على الأقل هو خذ وهات ، خذ عني هذا الزمن وهذا الوضع و أعطني زمنا غيره .    

وحين نتأمل موسيقى القصيدة ندرك أنها في أغلبها بنيت على تفعيلة المتدارك كقوله :

خذ كل رؤاي واسكن

/0/0///0//0/0

في صمت الحلم وحدثني

/0/0/0/0///0/0/0

أيامي غابت عنها الأيام

/0/0/0/0/0/0/0/0/00

وحنيني حن لخطو الشوق بعينيها

///0/0/0///0/0/0///0/0/0

     فتوالي الحركات والسكنات وفر انسيابية للقصيدة بمنحها موسيقى خارجية آزرها في ذلك نهايات أغلبية الأسطر بالاعتماد على حرف المد الألف التي جعلت القصيدة تضج يصوت شجي كقوله :

    تعبره الأيام – ذئبي الأنسام – في برديه الأحزان – غابت عنه الأيام – في ركب الآلام – بعين العشاق – مشتاق ، مشتاق – يا حبا قد كان – يبحث عن شطآن – وأراك هناك .

 

 الانزياحات

    الانزياحات على المستوى التركيبي في النص قليلة يمكن حصرها حسب الملاحظة في :

يا الحامل ، يا أنت وخضوع الشاعر للسياقات التركيبية يعود لاستسلامه للعبة واقع لا يملك تغييره ، فهو يعيش في منظومة قدرية ترسم أيامه وتحدد خطاه ، والانزياح الواقع على مستوى النداء في قوله : يا الحامل – يا أنت تجاوز بهما الشاعر النداءات العادية ليغير في أساليب النداء عساه يجد مجيبا . فالنداءات الروتينية المتكررة لم تلق آذانا صاغية ولا قلوبا واعية .

    أما على مستوى الصورة فالقصيدة مشحونة من أولها إلى آخرها حتى لا نكاد نجد فها موطئ قلم انطلاقا من قوله :(اسكن في صمت الحلم) حيث اتخذ الشاعر من صمته الذي يغرقه في التأملات والأحلام ، اتخذه سكنا لا يبرحه ، فهو مسجون في صمت حالم ، صمت يعبره في مسافات بسعة الحلم نفسيه ، ثم يصور حالة الضياع والتيه بين القول والفعل بالكلمة التي تبقى سلاحه الوحيد ، يرفعها وردة ، ويطلقها رصاصة (في ليل ذئبي الأنسام) . ولنتأمل كلمة ذئبي وفعلتها في الصورة حيث أقحمت بين الليل و الأنسام  لتعبر عن هذا الزمن الموبوء والمتخم برائحة الخداع والمكر يتنفسها رغما عنه .

(وأنا خلف الآلام بالآمي ) لم يجد الشاعر متراسا ولا جدارا يلوذ به إلا ألآمه التي لا تفارقه فهو يحتمي منها بها .

(أمتد ربيعا مذبوحا ) (في شرنقة الريح) (بدن العمر المغموس بخمر الآه) و(تعتعة تمضي في الصدر مرنحة)

سلسلة من الانزياحات المتراكمة تعكس الأحزان والهواجس التي تنوء تحت وطأتها نفس تعيش الضيق والعدم الذي تصنعه مفردات الذبح والشرنقة والانغماس والتعتعة .

سلسلة تحكي الآلام التي تحول فيها الربيع رمز النضارة والحياة إلى جثة عائمة في دمائها غائمة في شرنقة الريح ، الريح رمز القدر الذي يصنع مصير الأشياء ، ذبالة شمعة أو ورقة يابسة هو الشاعر . ثم صورة العمر المثقل بأنين الذكريات .. هذا البدن المهتريء لا يملك الشاعر تسكين جراحه إلا بالهروب إلى خمر الآه ، بحيث لا يقوى على الشكوى فلا يستوي صوته في صدره ، ولكنه يستحيل حشرجة تتعثر فلا تهتدي إلى غاية :

يا حبا قد كان

لؤلؤة لا تحويها الأزمان

من نبعك تمضي ومحار الروح يودعها

تغسلها بالدمع الأشجان

    هذه لوحة تحمل صورة كبرى مركبة تمتد على بضعة أسطر في القصيدة ، فالحب القديم الذي آل إلى الزوال ولم يعد له أثر في حلم الشاعر (قد كان) كان لؤلؤة ثمينة أطبقت عليها الأيام كفيها لا تصل إليها يد لتلوثها أو لتنال من قداسة جمالها ، لؤلؤة مكنونة في يد الأزمان ، مضت هذه الجوهرة مضت ومحار الروح الساكن في أعماق الروح يودعها والأشجان دامعة ، لقد انتهى كل شيء .

    وما يفتأ الشاعر يذكر أياما تولت كان فيها كالمتأرجح في مشانق الماضي :

والحب حبيبي قد كان

في صمت الحلم عروسا من شرفة قصر ينداح شذاها

فتميل .. تميل على شرفتها الألحان

أمد عيوني

ها إني أمد عيوني

والصوت ينادي:

اصعد

هذي يدي

تمسك

اصعد

ويذوب الحرف بعيني

ينداح الصمت على قلبي

وأموت هوان

     ها هو يتذكر حبا قديما (قد كان) حبا تتجلى في سرحاته عروسا يتضوع شذاها ليملأ الأجواء ، لكن الحبيبة ساكنة الأعالي لا يطالها الشاعر إلا بعينيه ، فهي بعيدة .. بعيدة لا تنالها الأيادي لتدخل مقامات الأساطير والخرافات ، وهي ذي تنادي من شرفتها ، وتمد يدها في إشفاق على المعنى بها (تمسك/ اصعد)ولكنه سرعان ما ينهار ويدرك أنه يطارد الوهم ، فينكسر ثانية وتضيع حروفه ، ويموت تحت حروف القصيد .

يجرحني الحرف

فضمده فؤادا

ما عرف الوصل ولا ذاق حلاوة لقيا الأحباب

وها إني

أسكن في صمت الحلم

     يكشف الشاعر وجع الحرف ومعاناة الكلمة التي تحولت إلى سيف جارح يفعل في الأحشاء فعلته وهو يستجدي أملا ضائعا ، يستجديه للعودة كي يضمد الجرح المفتوح في الفؤاد الظامئ للحظات الوصل الهاربة ،المحروم من حلاوة لقيا الحبيب ، فيا أيها المنقذ أقبل ها أنا في انتظارك حيث تركتني من البدء أسكن في صمت الحلم ، أطمح في الخلاص ، فمن يكون مخلصي الذي يهدم سكناي ويخرجني من قمقم الصمت، ويفك عن اللسان عقدته ، هذا المخلص الذي قد يأتي وقد لا يأتي ، فحدثني إن كان هناك حديثاينزع روح الآه من الأعماق.

القصيدة كما هي القصيدة لوحة سريالية تموج بصور تقلب الحقيقة لتخرج صورا تتمرس من الوعي و اللاوعي ، صور توحي في قراءتها المتعددة بالحزن الذي يتشكل في كل سطر تشكلا مخالفا  ليكون الخيط الذي يلائم بيان كثافة الصورة المغرقة في الرمز النابضة بالحياة وبالموت

أمتد ربيعا مذبوحا- تعتة تمضيحنيني حنما زال قلبي غريبا يذوب الحرف .

القصيدة تعبير عن العجز الذي يواجه الإنسان في تغيير وجه الحياة الكئيب الذي يجثم على الأنفاس فلا تمتلك الخلاص منه ، الإنسان الغريب في هذا العصر الذي يبحث عمن يحدثه إذا كان فعلا باستطاعة الكلمة أن تنتشل الإنسان من وحل الزمن الرديء.

ثم ما يلبث الشاعر حين شارف النهاية أن ينبعث .. أن يعود كما تعود الفصول ليكمل دورته التي ابتلعته كزوبعة رملية ، يعود ليستأنف ما كان قد بدأ به ، حدثني .. فكل التوسلات السابقة لم تفض به لأي شيء ، فأبى إلا أن يعيد الدورة ، ويواصل رحلة البحث عن المجهول وفي المجهول ، عن الحديث المشروط المشكوك في وجوده وجدواه .

 

موقع القباب الإخباري | إضغط هنا لمتبعة جديدنا

169 عدد القراءات
أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (2 مرسل):

عادل محلو في 22 May, 2010 01:46:35
avatar
اشكركما واشكر الموقع..ان محايثة الشعر بنقد هو ما سيطورهما معا...الى الأمام
عجيبة في 30 May, 2010 08:08:25
avatar
اجزل لكما الشكر ...ان الحركة الشعرية بوادينا تحتاج الى حركة نقدية مفعلة ومتفاعلة تؤسس وتسوس الانطلاقة المنتظرة...وهكذا نمضي الى غد مشرق

أضف تعليقك comment